فخر الدين الرازي
91
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : وَإِنْ كانَتْ ففيه مسائل : المسألة الأولى : « إن » المكسورة الخفيفة ، معناها على أربعة أوجه : جزاء ، ومخففة من الثقيلة ، وجحد ، وزائدة ، أما الجزاء فهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى فالمستلزم هو الشرط واللازم هو الجزاء كقولك : إن جئتني أكرمتك ، وأما الثانية : وهي المخففة من الثقيلة فهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة « إن » المشددة كقولك : إن زيداً لقائم ، قال اللّه تعالى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [ الطارق : 4 ] وقال : إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ الإسراء : 108 ] ومثله في القرآن كثير ، والغرض في تخفيفها إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل ، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض عما حذف منها ، والفرق بينها وبين التي للجحد في قوله تعالى : إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ [ الملك : 20 ] وقوله : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ * [ الأحقاف : 9 ] إذ كانت كل واحدة منهما يليها الاسم والفعل جميعاً كما وصفنا ، وأما الثالثة : وهي التي للجحد ، كقوله : إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ * [ الأنعام : 57 ] وقال : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [ الأنعام : 148 ] وقال : وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما [ فاطر : 41 ] أي ما يمسكهما ، وأما الرابعة وهي الزائدة فكقولك : ما إن رأيت زيداً . إذا عرفت هذا فنقول : « إن » في قوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً [ البقرة : 143 ] هي المخففة التي تلزمها اللام ، والغرض منها توكيد المعنى في الجملة . المسألة الثانية : الضمير في قوله : كانَتْ إلى أي شيء يعود ؟ فيه وجهان : الأول : أنه يعود إلى القبلة لأنه لا بد له من مذكور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها [ البقرة : 143 ] الثاني : أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهي مفارقة القبلة ، والتأنيث للتولية لأنه قال : ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ثم قال عطفاً على هذا : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً أي وإن كانت التولية لأن قوله : ما وَلَّاهُمْ يدل على التولية كما قيل في قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [ الأنعام : 121 ] ويحتمل أن يكون المعنى : وإن كانت هذه الفعلة ، نظيره قوله فبها ونعمت ، واعلم أن هذا البحث متفرع على المسألة التي قدمناها وهي أن الامتحان / والابتلاء حصل بنفس القبلة ، أو بتحويل القبلة ، وقد بينا أن الثاني أولى لأن الإشكال الحاصل بسبب النسخ أقوى من الإشكال الحاصل بسبب تلك الجهات ، ولهذا وصفه اللّه تعالى بالكبيرة في قوله : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً . أما قوله تعالى : لَكَبِيرَةً فالمعنى : لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ [ الكهف : 5 ] أي : عظمت الفرية بذلك ، وقال اللّه تعالى : سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النور : 16 ] وقال : إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [ الأحزاب : 53 ] ثم إنا إن قلنا الامتحان وقع بنفس القبلة ، قلنا : إن تركها ثقيل عليهم ، لأن ذلك يقتضي ترك الألف والعادة ، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا : الامتحان وقع بتحريف القبلة قلنا : إنها لثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات ، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه اللّه تعالى حتى عرف أنه لا